.

عرض المقال :أنيس صايغ... الغائب الحاضر

  الصفحة الرئيسية » ركـن المقالات

أنيس صايغ... الغائب الحاضر


إلى أنيس صايغ ، الذي أوقد الحروف يوماً في ليلي مشاعلَ أستنيرُ  بها ، وأتّقي كلّ عثرة وكبوة .ومدّ جسور التواصل بين الحاضر والماضي فدَلّني على الدرب الذي يُفضي إلى الغد والأمل المنشود ، كي أضع أولى خطاي عليها في محاولة التنقيب في ماضٍ تكاد تضيع ملامحه وتهتزّ .

ولكن الموتَ لم يَمُدَّ في عمره بعض الشيء ولم يُمهله، فأغمض عينيه  ونام في استراحة أبديّة. راضياً بنهايته تلك. مقتنعاً بأن للحياة نهاية . إن الموت هو الوجه الآخر للحياة. وفي لحظة حضوره يكون الاستسلام هو الخيار الأوحد.

بكته بيارات الليمون في الجليل. وأشجار الزيتون التي ينزّ في أرضها دم أهلها. بكته حارات الفقراء العظماء في مخيمات اللجوء والتشرد  . بكته قرى الجليل التي تنام الليل بلا دثار على وجع الرحيل ودفء الكلمات وأحزان المنافي. حزنُ مُرّ وقاتل يرسم رغماً عنّا ملامح الغد الآتي. ملامح وجه طبريا الفتاة. وجه طبريا المرأة. تحلم بنهار مشمس لا غيمة في سمائه. طبريا العروس ليلة زفافها لم تبارح ذاكرته حتى لحظات رحيله. وقد ظلت كذلك وجعاً حلواً ينام في خاصرته ملتذاً بعذاباته في ضوء العتمة في النفوس . وقد استبدّ بها اليأس المُرّ القاتل. وهي تلفّ بسوادها قرى فلسطين والمشردين في وطنهم ومن في الخيام .

إن السعي إلى الهدف الحلم هو درب الآلام. والسير صوبه هو طريق الآخرة. فيه الأجر والثواب. وفيه العرس والدم. لم يتخلّ يوماً عن واجبه الوطني وثوابته. حين لاحت بوادر العجمة والرطانة في لغة الثوار والكتبة. وصار القفز فوق الشعارات  لغة العصر. وأصبح التفلسف في تفسير معنى الثوابت الوطنية يومئ إلى بيع كل شيء في مزاد السياسة وضرورة التخلي عن مبادئ الأمس بما فيها وما حوت. كان ذلك هو القدر. قدرنا نحن المقهورين. كان أنيس صايغ رقماً صعباً في معادلة أصعب. وكان في نظر أقرانه ورفاق دربه ومسيرته إنساناً عصيا على المطاوعة لا يساوم على الثوابت والمبادئ. ظلّ واضحاً كالشمس في قامتها طوال تلك السنين. قامة لم تنحنِ يوماً

.دافع عن فلسطين بالدم والكلمة. وكان أحد الأمناء على رسالة كامل التراب الوطني الفلسطيني

رحل أنيس صايغ، وليس وقت رحيل. فما زالت به حاجة مُلحّة . رحل أنيس صايغ الجسد. لكن امتداده فينا لا يزال قائماً يثمر. وتشظّت أفكاره أغاني تلقّفها حفاة الأرض الفلسطينية. وتغنّى بها الأطفال والمغذّون السير نحو بقعة الضوء التي سبقهم إليها ومشى صوبها .

أنيس صايغ نسيج وحده. حالة متفردة تخطّت حدودها الجغرافيا. أممي الانتماء. العالم كله صار وطنه. لكن طبريا هي الثّدي الذي أرضعه حب التشبّث بالأرض التي حبا عليها وخطا أولى خطواته .

لم يكن منغلقاً في رؤاه وأفكاره. ترفّع عن المشاعر الطائفية  وكان نقطة التقاء الجميع واحترامهم. تميّز بسعة اطلاع ومعرفة وإمعان بقضايا شعبه ووطنه. عمل بوتيرة عالية وهمّة لا تعرف التراخي ولا الملل. كان ملتزماً ومنضبطاً؛ فهو شيخ المؤرخين الأساسيين للقضية الفلسطينية. لم يكن أنيس صايغ علامة مجهولة بحاجة إلى ترسيم وتعليم. ولا حرفاً وحده. كان كل الحروف وكل الأرقام.


يعرفه الذين عاصروه ولازموه وتربوا على أخلاقه ومبادئه. أشادوا في حياته بمواقفه

التي لا تعرف المساومة. وتزاحموا قرباً إليه ومنه.

ووقفوا على قبره حين أهيل التراب عليه. لكنّ ذكريات أنيس صايغ لم تنتهِ !

عاش أنيس صايغ أكثر عمره في لبنان. لكن سهم المنيّة أصابه في عَمّان فرحلَ مسرعاً دون وداع . وفي بيروت دفن وعيناه تنظران صوب الأفق. صوب فلسطين. صوب كامل التراب الوطني الفلسطيني. الذي لا بدّ من أن يُستردّ يوماً.

يوماً ما سينهض أنيس صايغ ومعه الشهداء عائدين من الموت ، يُحملون على الأكتاف ليواروا الثّرى بكرامة في مدنهم وقراهم التي اشتاقت لهم كثيرا...
محمود كلم
 « رجوع   الزوار: 111

تاريخ الاضافة: 29-12-2020

.

التعليقات : 0 تعليق

« إضافة مشاركة »

اسمك
ايميلك
تعليقك
8 + 2 = أدخل الناتج

.

جديد قسم ركـن المقالات

فلسطينيّو المخيّمات و«انتظارات» بايدن… تمويل «الأونروا» وتوطين «الشتات»؟

اللاجئون الفلسطينيون في تجمع «الجناح» في بيروت.. ثبات رغم الإهمال

«منتدى المؤسسات والجمعيات» يُدين التصريحات العنصرية حول حرمان اللاجئين من التطعيم بلقاح «كوفيد19»

«شاهد» تطالب «الأونروا» بتعجيل توفير لقاح «كورونا» للاجئين الفلسطينيين

مقدمة في إحياء الشعر العربي في فلسطين

القائمة الرئيسية

التاريخ - الساعة

Analog flash clock widget

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟

القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الاشتراك

عدد الزوار

انت الزائر :206954
[يتصفح الموقع حالياً [ 74
تفاصيل المتواجدون

فلسطيننا

رام الله

حطين

مدينة القدس ... مدينة السلام

فلسطين الوطن

تصميم حسام جمعة - 70789647 | سكربت المكتبة الإسلامية 5.2

 

جميع الحقوق محفوظة لرابطة المعلمين الفلسطينيين في لبنان ©2013