.

عرض المقال :أين تقع فلسطين؟؟

  الصفحة الرئيسية » ركـن المقالات

أين تقع فلسطين؟؟



اختفى «الوطن العربي» من منطوق الكلمات ومكتوبها، وعمّا قريب قد لا يغدو من اللائق، سياسةً وثقافةً وإعلاماً، سماع لفظة «العالم العربيِّ» من أساسها. فالمصطلح الأجدر بالاستهلاك هو «المنطقة» بلا نسبة أو إضافات، أو هو صيغة «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» التي هبطت علينا من مكان ما في الشمال الغربيّ، ثمّ اعتمدتها الأمم المتحدة ومنظماتها دون نقاش، واجترّتها الدول والمؤسسات بإخلاص، وتردّدت في الأسواق والأبواق.
ولأنّ النتائج مرتبطة بمقدِّماتها؛ فإنّ من ينتسب إلى هذه الرقعة الممتدّة ينبغي له أن يتجرّد من وعيِه ويفقد ذاكرته، ليظّل ابنَ «الشرق الأدنى»، فهو شرق أوسطيّ وشمال إفريقيّ، أو شيء من هذا القبيل. إنه التعريف الذي ينسب أمّة بأسرها إلى رقعة منزوعة الهويّة وغير محدّدة الانتماء، معرّفة بالاتجاهات المتداخلة: شرقاً، وسَطاً، شمالاً، أدنى.
وحده الاحتلال، بكيانه المُصطَنع وأساطيره المنسوجة، مَن يستحقّ الحَصر في التعريف والاستعلاءَ في التوصيف. لنُبصِر فقط مرحلةَ مطاردة شعب فلسطين وأمّته بإملاءات الاعتراف بـ«يهودية الدولة»، رغم القرابين المتوالية التي قدّمها الرسميّون، باعترافهم بشرعية الاحتلال وإقرارهم بـ«حقِّ الوجود»، وبتناسيهم الجغرافيا وخروجهم من التاريخ.
✽ ✽ ✽
في صميم هذه الحالة من نزع الوصف والمعنى عن «المنطقة»، تقع فلسطين وتكمُنُ قضيّتُها. فمَحو الهويّة والانتماء عن الأمّة، برقعتها الجغرافية الممتدّة، كان ويظلّ في مصلحة الغراس المُصطَنع في قلب المنطقة بهويّة مزوّرة، لكنّه لم يفلح في اختبار التجذّر؛ ولن يتأتّى له ذلك رغم تبرعُمِه وتعاظُم أشواكه. فلا فرصةَ لهذا الكيان في البقاء إلاّ بتفعيل خيارات التفتيت الشامل من حوله، كي يتسيّدَ أمّةً تتقاذفُها أمواجُ التفكّك. هكذا قُيِّض للقاعدة الحربيّة الضخمة أن تمتدّ إليها أيادي الاستجداء من الوالغين في مشروعات التشظِّي عربيّاً وإسلاميّاً، وأن تشرئبّ لها أعناق الباحثين عن أيِّ دور كان في زمن الانهيار المُزمن.
بهذا، أصبح كيانُ الاحتلال حالةً بازغةً بين حالات آفِلة، أو هو الرأس بدماغه وحوّاسِّه المركزيّة، فيما الآخرون أطرافٌ ترضخ لتوجيهه. هذا ما نفهمه من الصِّيَغ القديمة الجديدة بشأن النموذج المرسوم للمكانة الإسرائيلية المركزيّة، وللأدوار الإقليمية التابعة. ولأنّ مشروع احتلال فلسطين حالةٌ اعتمادية على مراكز القوى القاصية، فإنّها ستخسر تحدِّي الانتماء، وليست قابلة للصمود طويلاً. أي أنها أضغاثُ أحلام عابرة، تلك التي أفاق عليها هرتزل، وروّج لها بن غوريون، وأعاد بيريز استدرارَها، وصولاً إلى نتنياهو بشعاره: «السلام الاقتصادي».
✽ ✽ ✽
حقاً، إنّ للجغرافيا لغتها ودلالاتها العميقة. وبهذا، فإنّ طَيْفاً من الإجابات سَيَدهَم كلّ من يسأل عن فلسطين؛ مكاناً وموقعاً. قد يُقال إنها تتوسّط «الشرقَ الأوسط وشمالَ إفريقيا»، حسب الصياغة الرائجة. أو أنها تقع في قلب «الشرق الأوسط الكبير»، بتعبير إدارة بوش المنسيّة عن العالم الإسلامي. وربّما علقت فلسطينُ في مكانٍ ما وسط «الشرق الأوسط الجديد»، وفق نعتٍ أتت به الحالمةُ بالفوضى الخلاّقة، كوندوليزا رايس، سنة 2006، بعد أن نحت مصطلح «الجديد» إيّاه شمعون بيريز؛ قبلها بعقد من الزمن.
تلك هي فلسطين، المُبتَسرة والمبعثرة على أيِّ حال، أي فلسطين المُعرَّفة في أحسن أحوالها على أنها كيان مُمزّق «قابل للحياة»، خلف الجدران الرماديّة وضمن المعازل السكانيّة، مُحاصَر بالكتل الاستيطانية والطرق الالتفافية والمعابر المُوصَدة بإحكام.
✽ ✽ ✽
لا يجوز في المنعطف التاريخيّ الراهن إغفالُ مساحاتِ الوعي التي يتمركز فيها هامشٌ واسع من الصراع. فليس من العسير اكتشافُ حَشْدِ المشروعات والبرامج الدؤوبة الحسنة التمويل، التي تسعى إلى حشو رؤوس الأجيال بعبارات تُورِثُ التيه، وتسدّ الآفق، وتبدِّد الأمل. وما يفاقم الهجمةَ على الوعي؛ ذلك الخطابُ السياسيُّ والإعلاميُّ العاجز، الذي يتصدّر المنظومةَ الرسمية؛ فلسطينيّاً، وعربيّاً، وإسلاميّاً، بكلِّ ما فيه من مُفرَداتٍ صيغت من وحي الانكسار أمام مشروع احتلال فلسطين، الذي لا يكلّ وشركاءه عن وضع جدول الأعمال.
مقابل هذا كلِّه؛ تتعاظم الحاجةُ إلى جهودٍ جادّة ومتواصلة؛ فمشروع التحرير يتأسّس على حقائق التاريخ، وانتماء البلاد، وهويّة المكان، ومجالدة الشعب، ومساندة الأمّة، بقدر ما يتعزّز بقوّة الحقّ وعدالة القضيّة.
وقبل ذلك وبعده، تبقى فلسطينُ هي ذاتها، مع تلك العبارات الجغرافية المنزوعة الهويّة أو بدونها؛ فهي تتوغّل في تاريخ الأمّة، وتقع في قلبها، وتصل بجدارة بين جناحيها. إنها في عُمق العُمق، ومن يدرك هذا فإنه يحمل في وَعْيِه حقائقَ التاريخ؛ ويستشرف حتميّاتِ مستقبل حرّ. ♦

 « رجوع   الزوار: 1026

تاريخ الاضافة: 25-09-2010

.

التعليقات : 0 تعليق

« إضافة مشاركة »

اسمك
ايميلك
تعليقك
9 + 2 = أدخل الناتج

.

جديد قسم ركـن المقالات

الفلسطينيون والخيارات الصعبة

المخيّمات وصهينة الوعي الفلسطيني

«عين الحلوة».. عام دراسي حذر وممرّات آمنة لإجلاء الطلاب

هل سهلت "الأونروا” هجرة الفلسطينيين من لبنان؟

على أبواب العيد .. أهالي "عين الحلوة" يعيشون المعاناة مضاعفة

القائمة الرئيسية

التاريخ - الساعة

Analog flash clock widget

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟

القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الاشتراك

عدد الزوار

انت الزائر :147460
[يتصفح الموقع حالياً [ 88
تفاصيل المتواجدون

فلسطيننا

رام الله

حطين

مدينة القدس ... مدينة السلام

فلسطين الوطن

تصميم حسام جمعة - 70789647 | سكربت المكتبة الإسلامية 5.2

 

جميع الحقوق محفوظة لرابطة المعلمين الفلسطينيين في لبنان ©2013